القائمة الرئيسية

الصفحات

كيف انتقلت القوى السنية من هامش الإتهام إلى قلب المنظومة؟


 

بقلم رائد الزيدي 

متابعة وكالة الرقيب الإخبارية

منذ عام 2003، تشكل المشهد السياسي العراقي على أساس الإنقسام الطائفي والعرقي، حيث وجدت القوى السنية نفسها في مواجهة إتهامات متواصلة بكون بيئتها حاضنة للإرهاب، خصوصاً بعد تصاعد العنف الطائفي وظهور تنظيم القاعدة ومن ثم تنظيم داعش. وبينما كانت القوى الشيعية تمسك بمفاصل السلطة، بقيت القوى السنية لسنوات طويلة خارج دائرة النفوذ الحقيقي، محاصرة سياسياً وأمنياً، وتحت وطأة خطاب يربطها بالإرهاب والتطرف.

لكن مع هزيمة تنظيم داعش، حدث تحول تدريجي في طبيعة العلاقة بين القوى السياسية. فبدلاً من استمرار الإقصاء، إتجهت القوى الشيعية المهيمنة إلى إستيعاب القوى السنية ضمن منظومة الحكم القائمة على التوافق والمحاصصة. ولم يكن هذا الإستيعاب قائماً على مشروع وطني لإصلاح الدولة، بل على قاعدة توزيع المناصب والمكاسب والنفوذ.

وهكذا، إنتقلت بعض القوى السنية من موقع الدفاع عن النفس أمام إتهامات الإرهاب إلى موقع الشراكة في النظام السياسي القائم، بما يحمله من إختلالات واتهامات بالفساد. وأصبحت المشاركة في السلطة تمنح شرعية سياسية وحصصاً إدارية واقتصادية، لكنها في الوقت ذاته أدخلت هذه القوى إلى دائرة الإنتقادات ذاتها التي طالت الأحزاب الشيعية والكردية.

لقد نجحت القوى الشيعية، بحكم سيطرتها على الدولة، في تحويل الصراع من صراع حول الهوية والإنتماء إلى صراع حول المصالح وتقاسم النفوذ. وبذلك، لم تعد الإنقسامات السابقة هي العامل الحاسم بقدر ما أصبحت المصالح المشتركة داخل منظومة الحكم هي الرابط الأقوى بين مختلف القوى السياسية.

ومع ذلك، فإن الحديث عن إنتقال «القوى السنية» من الإرهاب إلى الفساد، أو تحميل «القوى الشيعية» مسؤولية هذا التحول بشكل مطلق، ينطوي على قدر من التعميم. فالإرهاب لم يكن صفة ملازمة للمكون السني، كما أن الفساد لم يكن حكراً على مكون أو حزب معين، بل أصبح ظاهرة بنيوية شملت معظم أطراف العملية السياسية، نتيجة نظام المحاصصة وضعف مؤسسات الدولة وغياب المساءلة الفعالة.

وبذلك، يمكن القول إن العراق لم ينجح في نقل القوى السياسية من منطق الصراع إلى منطق الدولة، بل نجح في نقل معظمها إلى فضاء المصالح المشتركة، حيث ذابت الخصومات القديمة داخل منظومة فساد واسعة، جمعت خصوم الأمس تحت سقف واحد، وأعادت إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة.

تعليقات