القائمة الرئيسية

الصفحات

الدخان الذي يغطي الحريق

   




جعفر جاسم - وكالة الرقيب الإخبارية


في فن الحروب القديم قاعدة بسيطة: "إذا أردت إخفاء تحركك، أشعل ناراً في الجهة المقابلة". اليوم القاعدة نفسها تُطبق في إدارة الأزمات، لكن النار صارت "تريند"، والتحرك صار حقيقة لا يريدونك أن تراها.

السيناريو مكرر. تبدأ الحكاية بملف ثقيل: عقد مشبوه، سرقة القرن، إهمال تسبب بكارثة، قرار يمس جيب المواطن. نسميه "الملف أ". الرأي العام يغلي، والأسئلة تتصاعد: من المسؤول؟ 

أين الرقابة؟ 

وقبل أن تكتمل الصورة، يحدث ما هو غير متوقع.

"الحدث ب" يظهر من العدم وفجأة. 

قد يكون تسريباً شخصياً لشخصية عامة، حريقاً في مبنى حساس، أو شجاراً مصوراً، أو فضيحة أخلاقية. 

كل هذا لا يهم بقدر التوقيت. 

خلال ساعات يتحول "الحدث ب" إلى حديث الشارع ووسائل التواصل، بينما يُدفع "الملف أ" إلى الصفحة الأخيرة، ثم إلى الأرشيف.

لماذا ينجح الأسلوب في كل مرة؟ لأن انتباه الإنسان محدود. فعلم النفس يسميها "سعة المعالجة المعرفية". 

فعندما تُشحن هذه السعة بغضب وفضول باتجاه "الحدث ب"، لا تبقى طاقة عقلية للسؤال عن "الملف أ". وهنا يبدو أن الغضب سريع ومجاني، أما التحقيق فيحتاج صبراً ووثائق وأرقاماً. 

فأيّهما ينتشر أسرع؟

الأخطر أن "الحدث ب" غالباً ما يكون ضحلاً عمداً. صورة بلا تاريخ، أو فيديو قديم يُعاد تداوله بالتزامن مع "الحدث الآني"، أو فوضى مقصودة. 

بينما "الملف أ" مزعج لأنه موثق وفيه أرقام. فإذا لم يستطيعوا دحض الوثيقة، دفنت بالضجيج.

هنالك ثلاث علامات تكشف اللعبة:  

التوقيت الجراحي: "الحدث ب" يظهر بعد ذروة "الملف أ" بأيام معدودة. 

المصادفة إذا تكررت تُلغى.  

تغيير البوصلة: فجأة كل القنوات والمنصات تتحدث عن الموضوع الجديد بنفس العبارات ونفس العاطفة.  

غياب الجواب: اسأل عن "الملف أ" فتأتيك الإجابة بضجيج "الحدث ب". 

فمن يتهرب من السؤال، يعرف الإجابة.

الخلاصة  

أيها القارئ العزيز، أنت لست مطالباً بأن تكون محققاً، لكنك مسؤول عن شيء مهم وهو انتباهك. 

القاعدة الذهبية: عندما يشتعل "الحدث ب" فجأة، اسأل نفسك بهدوء: ما الخبر الذي كان يجب أن نناقشه قبل قليل؟

هنا يأتي دور الصحافة الحرة. فوظيفتها إطفاء الدخان حتى نرى الحريق الحقيقي، وأن لا تتحول إلى ناقل للدخان. 

لأن من يشعل ناراً ليخفي سرقة، هو لصّ مرتين: سرق المال مرة، وسرق وعيك مرة أخرى.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات