وكالة الرقيب - بابل
مقال للدكتور حيدر عبد الستار ناهي
مدير مركز الحاسبة الإلكترونية في جامعة القاسم الخضراء
يشهد العراق تحولا متسارعا نحو البيئة الرقمية، إذ أصبحت التقنيات الحديثة حاضرة في مؤسسات الدولة والجامعات والمصارف والقطاع الصحي والخدمات الحكومية، كما أخذت المعاملات الإلكترونية وقواعد البيانات والاتصالات الرقمية تحتل مساحة متزايدة في الحياة اليومية للمواطن.
ولا شك أن التحول الرقمي يمثل خطوة مهمة نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة وسرعة وشفافية، إلا أن هذا التحول يضع الدولة والمجتمع أمام تحديات جديدة، في مقدمتها حماية البيانات والمعلومات، وتأمين الأنظمة الإلكترونية، والحفاظ على الخصوصية، ومواجهة الجرائم والهجمات السيبرانية التي أصبحت أكثر تطورا وتعقيدا.
ومن هنا فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى التحول الرقمي؟ وإنما أصبح: كيف نحقق تحولا رقميا آمنا يحمي المواطن والدولة في الوقت نفسه؟
لقد أولى الدستور العراقي أهمية واضحة للخصوصية، إذ نصت المادة (17/أولا) على أن لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين والآداب العامة. وتكتسب هذه المادة أهمية أكبر في عصر أصبحت فيه تفاصيل واسعة من حياة الإنسان محفوظة إلكترونيا؛ فبيانات المواطن الشخصية، ومعلوماته الصحية والمالية والتعليمية، ومراسلاته وحساباته الإلكترونية، أصبحت جزءا من حياته الخاصة. ومن ثم فإن حماية الخصوصية لم تعد مرتبطة فقط بالمنزل أو المراسلات الورقية، بل أصبحت تشمل أيضا البيانات التي تنتقل وتخزن وتعالج بواسطة الأنظمة الرقمية. وهنا يظهر الأمن السيبراني بوصفه أحد أهم أدوات حماية هذا الحق الدستوري؛ لأن اختراق قاعدة بيانات أو سرقة حساب إلكتروني أو تسريب معلومات شخصية قد يمثل في الوقت ذاته اعتداء تقنيا وخرقا للخصوصية.
ومن النصوص الدستورية المهمة في هذا المجال المادة (40) من الدستور العراقي، التي كفلت حرية الاتصالات والمراسلات البريدية والبرقية والهاتفية والإلكترونية وغيرها، واشترطت أن تكون مراقبتها أو التنصت عليها أو الكشف عنها في إطار الضرورة القانونية والأمنية وبقرار قضائي.
وهذا النص يضع قاعدة مهمة في التعامل مع العالم الرقمي، وهي أن التطور التقني لا يعني سقوط الضمانات الدستورية. فإذا كان من الممكن تقنيا الوصول إلى رسالة إلكترونية أو محادثة أو بيانات موجودة في هاتف أو حاسوب، فإن القدرة التقنية وحدها لا تكفي لتبرير الوصول إليها، وإنما ينبغي أن يكون ذلك ضمن الضوابط القانونية والقضائية التي تحمي حقوق الأفراد. وهنا تبرز أهمية القضاء في تحقيق التوازن بين متطلبات مكافحة الجريمة وحماية الحقوق والحريات.
ومن أهم الخطوات التشريعية العراقية في مجال التحول الرقمي قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية رقم (78) لسنة 2012، الذي وفر أساسا قانونيا لتنظيم جانب مهم من المعاملات التي تتم باستخدام الوسائل الإلكترونية.
وقد ازدادت أهمية هذا القانون مع توسع استخدام الخدمات الرقمية، كما صدرت لاحقا تعليمات لتسهيل تنفيذ قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية، بما يعكس الحاجة المستمرة إلى تطوير البيئة القانونية بما يتناسب مع متطلبات التحول الرقمي. إلا أن الاعتراف القانوني بالمعاملات والتوقيعات الإلكترونية يجب أن يترافق مع توفير بيئة تقنية آمنة؛ إذ لا يمكن تحقيق الثقة في الوثيقة الإلكترونية إذا كانت الأنظمة التي تحفظها معرضة للاختراق أو التلاعب.
وبعبارة أخرى، فإن الثقة القانونية في المعاملة الإلكترونية تحتاج إلى ثقة تقنية في النظام الذي ينفذها ويحفظها.
لم تعد الجريمة في العصر الحديث محصورة في الاعتداءات التقليدية، فقد أصبح من الممكن أن يتعرض نظام حكومي أو مصرف أو مؤسسة تعليمية أو مستشفى لهجوم إلكتروني يؤدي إلى تعطيل الخدمات أو سرقة المعلومات أو تسريب البيانات. ومن أبرز صور الاعتداءات الرقمية الاختراق غير المشروع للأنظمة، وسرقة البيانات، والاحتيال الإلكتروني، وانتحال الهوية الرقمية، والابتزاز الإلكتروني، وتعطيل الخدمات، والهجمات التي تستهدف البنى التحتية الرقمية. وتزداد خطورة هذه الأفعال عندما تستهدف مؤسسات الدولة أو الأنظمة التي تقدم خدمات أساسية للمواطنين.
أحد أهم التحديات التي فرضها التطور التقني على المنظومة القضائية هو ظهور ما يعرف بـ الدليل الرقمي. فقد أصبحت الرسائل الإلكترونية، وبيانات الحاسوب والهاتف، وسجلات الدخول إلى الأنظمة، وعناوين الإنترنت، والملفات الرقمية، والتوقيعات الإلكترونية، وغيرها من البيانات، ذات أهمية متزايدة في إثبات الوقائع. لكن الدليل الرقمي يختلف عن الدليل التقليدي في كونه قابلا للنسخ والتعديل والحذف، ولذلك فإن أهميته لا ترتبط بوجوده فقط، وإنما بطريقة الحصول عليه وحفظه وفحصه. وهنا تبرز أهمية ما يعرف بـ سلسلة حيازة الدليل الرقمي، التي تهدف إلى توثيق مراحل الحصول على الدليل والمحافظة عليه وفحصه، بما يضمن عدم العبث به أو تغييره. كما يمكن للتقنيات الحديثة، ومنها التشفير والتوقيعات الرقمية وتقنيات Blockchain، أن تسهم في تعزيز سلامة السجلات الرقمية وإثبات عدم تعرضها للتعديل، مع بقاء تقدير قيمة الدليل وحجيته من اختصاص القضاء وفقا للقانون. هل تكفي القوانين الحالية؟ إن التطور التقني السريع يفرض سؤالا مشروعا حول مدى كفاية المنظومة القانونية الحالية لمواجهة جميع صور الاعتداءات الرقمية الحديثة.
فالتقنيات تتغير بسرعة كبيرة، وتظهر باستمرار أنماط جديدة من الهجمات الإلكترونية، كما ظهرت تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وBlockchain والحوسبة السحابية، وأصبحت جزءا من البيئة الرقمية الحديثة. ومن هنا فإن التحدي لا يتمثل في إصدار قانون واحد فقط، وإنما في بناء منظومة متكاملة للحوكمة الرقمية تتضمن حماية البيانات، وتنظيم المعاملات الإلكترونية، ومواجهة الجرائم السيبرانية، وحماية البنية التحتية الرقمية، وتنظيم التعامل مع الأدلة الرقمية. كما أن تطوير التشريعات ينبغي ألا يكون على حساب الحقوق والحريات؛ فالأمن السيبراني الحقيقي هو الذي يحمي الدولة والمواطن معا.
إن التحول الرقمي يفرض على المؤسسة القضائية مسؤوليات جديدة، ليس فقط في مجال الفصل في الجرائم الإلكترونية، وإنما أيضا في التعامل مع الأدلة الرقمية وفهم طبيعة الأنظمة الإلكترونية والتقنيات الحديثة.
ومن الضروري لذلك تعزيز المعرفة التقنية لدى القضاة وأعضاء الادعاء العام والمحققين والخبراء، بما يساعد على التعامل مع القضايا الرقمية بصورة دقيقة ومتوازنة. كما أن التعاون بين المؤسسات القضائية والجهات المختصة بالأمن السيبراني والجامعات ومراكز البحث العلمي أصبح ضرورة وليس ترفا، لأن الجرائم الرقمية تجمع بين الجانب التقني والجانب القانوني في آن واحد.

تعليقات
إرسال تعليق